مركز جودة الحياة

مـا التوحــد حقــاً؟؟؟

IMG-20210219-WA0000

مـا التوحــد حقــاً؟؟؟

بقلـم د/ فهــدة الفيصــــل

المدير العام لمركز جودة الحياة

معظــم ما يقال للأهـل عن طيــف التوحــد ليس دقيقــاً أو مفيــداً مع الأسـف وبالتأكيــد أن من قام بتشخيص ولدك قد أخبــرك عن أعراض طيف التوحد… وكيف أن سلوكيات ولدك تطابق هذه الأعـــراض … لكني لا أتحدث عن الأعــراض.. أنا أتحدث عن الجانب المركــزي والمحيــر في أصل معنى وتفسير طيف التوحد.

أغلب مدارس العالم المتخصصة تتحدث عن التوحد أنه اضطراب سلوكي وأنا معهم في أنه اضطراب سلوكي ولكن هذا الاضطراب السلوكي مصدره من أين؟ وبناء على ذلك تميل هذه المدارس إلى التركيز على تغيير هذا السلوك المضطرب، والمعالجون يسألون كيف نقضي على هذه السلوكيات الغير مرغوبة وكيف نعلمه سلوكيات أخرى مرغوبة.

وأنا أرى أن اضطراب طيف التوحد ليس اضطراباً سلوكياً في الأصل إنما هو اضطراب اجتماعي – تواصلي – فالسلوكيات أعراض وليست أسباباً.

إذا رأيت شخصاً مصابا باضطراب التوحد يحك ذراعه ووضعت لنفسك هدفاً لإزالة سلوك الحك لديه فهناك طرقاً في ذلك. بأن تقول له “توقف عن الحك” .. وقد تهدده بعواقب لا تحمد عقباها إذا استمر في الحك، وقد تشتت انتباهه بشيء آخر في يده وقد تربط ذراعه إلى جسمه فلا يستطيع الحك….أو قد تبحث عن سبب الحك ربما تكون بعوضة قد قرصته وعندما تضع له مرهماً ينتهي السلوك…

البحث عن سبب السلوك الغيـر مرغــوب فية لمصاب اضطراب التوحد أمر هام بالنســبة لك وللمجتمـع، مصاب اضطراب طيف التوحد يقوم بهذا السلوك لخمسـة أهداف أو أسباب إما أن يكون لديــه نشــاط زائد أو اسـتثارة ذاتيــة أو لجذب الانتبـاه أو للهـروب من تنفيــذ أمر أو أســباب ملموسة وحسية كأن يكون مريضاً أو به ألم فيبكي أو يصرخ أو …..).

إذا واجهتك سلوكيات أياً كانت هذه السلوكيات فابحث في الخمسة تجد تفسيراً للسلوك وهنا يكون السلوك إما رغبة في الانضمام لعالمنا أو رفضاً للانضمام لعالمنا وبذلك يكون السلوك اضطراب اجتماعي….

والأشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحد يحتاجون منا “التواصل”.

فمحاولة القضاء على السلوك لا تعالج مشكلة السلوك لدى الأشخاص المصابين باضطراب طيف التوحد بل يؤدي الأمر تمزيق العلاقة والثقة التي بينك وبين ولدك (وهذه الثقة والعلاقة هي أهم مدخراتك في مساعدتك لولدك على التقدم) لماذا؟ لأن اضطراب طيف التوحد – اضطراب اجتماعي تواصلي.

وجدير بنا أن نوضح ما معنى اجتماعي تواصلي.

كلمة اجتماعي تعني الاتصال بالآخـر ممن يعيشون معه في مجتمـع يشتركون معه في لغـة واحدة ومشاعر واحدة وتحديات واحدة وأماني واحدة….

هل نحن مشتركون مع أبنائنـا في لغـة واحـدة ومشاعـر واحدة وتحديـات واحدة ؟ ربما الإجابة بنعم.. والإجابة هنا هي تعبير عن الأمنيات للأسرة والمعلمين وليست حقيقة، فالأشخاص المصابين باضطراب طيف التوحد لهم لغتهم الخاصـة وهي تعبيـر عما يشعـرون به ولديهم تحديـات خاصـة لا نشعر نحن بها، بل أنه إذا أردنا الدخول لعالمهم … نعطيهم أوامر وتعليمات ودائماً ردود أفعالنا تجاههم تكون خطأ.

 نأخذ مثالاً على ذلك،،الشخص من ذوي اضطراب طيف التوحد الذي يقوم بسلوكيات عدوانية تجاه الآخرين هل هذا السلوك سببه واحدة من الخمسة التي ذكرناها أم أنه رد فعل للبيئة المحيطة به، ربما يجتمع الأثنان أي أن يهرب من تنفيذ الأمر نظراً لخوفه الشديد من الموقف، فالعدوانية دائماً تصدر من شخص خائف ليس لديه سلام داخلي، فهو يعبر عن خوفه الدائم والشديد بالاعتداء على الآخرين في صورة صيحة أو عضة، وهذه العدوانية ربما تكون للفت الانتباه وجذب أنظار الآخرين تجاهه، والسؤال المحير هنا كيف انتهى من هذه الاضطرابات السلوكية ؟ وها أنا قد عرفت السبب …. الإجابة يا سادة أن الخوف عكسه الطمأنينة…الخوف مستوطن داخل هذا الشخص، آثار الخوف على النفوس صعبة جداً، فالخوف يجعل كل ردود أفعالك في المواقف خطأ.

يجمد الناقلات العصبية في المخ.

يجمـد عمل أعضــاءك الجسمية.

يقلل المنــاعـة.

يثبت أفكـارك ولا يمنحــك مرونـة التفكيــر.

يؤدي إلى اضطراب الجانب الاجتماعي إما اكون انطوائي منسحب أو عدواني منفعل.

ولذلك أسـاس وأصـل كل الإضطرابات السلوكية لدى الأشخاص من ذوي طيف التوحد هو خوفهم الدائم وقلقهم المستمر والحل بسيط ولكنه متدرج.

دائماً الخائف لا يعرف، فالخطوة الأولى هي المعرفة وبالطريقة التي تتناسب مع ولدى المصاب باضطراب طيف التوحد، وهنا ربما ندخل إلى مدرسة العلاج السلوكي المعرفي  “عـلاج    سـلوكـي   معــرفـي“.

فكل ســلوك لابـد أن تتبعــه معرفــة والمعرفـة بدرجاتها (أن يتعرف – أن يطابق – أن يفرز – أن يختــار – أن يعمـم – أن يسـمي) وفي كل خطـوة قـدم التسـامح ولا يــرى منـك ولدك إلا الحنـان والعبارات المطمئنة.

وهنا أنـوه إلى مبــدأ أطلقت عليـه مبــدأ (التحكـم والسـيطرة).

يعد هذا المبــدأ من المبادىء التي يستخدها الآباء والمعلمون في السيطرة على مخاوف الأشخاص المصابين باضطراب طيف التوحد من الحمام، أو من الأشكال، أو….

وهذا المبـدأ له شـرطان عند استخدامه.

الأول التقـارب.

الثاني التعبيــر والتفسير الإيجابي.

عنـدما يخاف ولـدك من موقف جديـد أو موقف متكرر مثل الخوف من الحمـام عليـك أن تتفهم أن هذا الخوف متكرر و مبرر من عقله بأنه خطر لأنه غير مفهوم أو على الأقل فيه شيء غير مفهوم أو مفهوم خطأ أو له تجربة مؤلمة معه.

فإذا فــرغ من الحمـام اقتـرب منـه وضع يـدك على أي مكـان في جسـده، امسح على رأسـه أو ظهره أو بطنــه وفي نفس الوقت فسـر له الموقف تفسيراً إيجابياً بأن تقول مثلاً: ” أنا أعلم أنه موقف جديد عليك لا تخف” .. ثم عاود الخطوتين مرة أخرى وغير عباراتك التفسيربة بأن تقول:”هذه مياه تخرج وتعود”. سمي الأشياء-(هذا سيفون، مضخة ماء ..)- درب ولدك مــرات على مثل هذه المواقف عن طريق كما ذكرت القرب الجسـدي وعباراتك الإيجابيـة، ربما تكون ملامسـتك لولدك وعباراتك الإيجابيـة التفسيرية هنا سبب ليقل الخوف وينتهي من خلال مبدأ التحكم والسيطرة.

المعرفة للأشخاص المصابين باضطراب طيف التوحد خطوة مهمة إلا أن كل المعارف إن لم تقترن بمهارات هنا تصبح لا قيمة للمعلومة، إربط بين المعلومة كونها معرفة وبين توظيفها في الحياة، ركز على المعلومة التي إن لم يتعلمها الشخص المصاب باضطراب طيف التوحد تصبح حياته في خطر كالأمن ثم المعلومات التي تلبي احتياجاته اليومية من طعام أو شراب وحمام …. ثم المعلومات التي تساعدك على التواصل كالملاحقة البصرية والسمعية.

المشكلة الآن في معنى “التواصـل” وهنا أقول أنه إذا أخذت طفلاً صغيراً في الخامسة من عمــره مصاب باضطراب طيــف توحد وغلاماً في السـادســة عشــرمصاب باضطراب طيف التوحـد أيضا فلن تجد سلوكاً واحداً مشتركاً بينهما رغم أنهما يجمعهما طيف التوحد، إلا أن كلاهما يعاني من صعوبة في التواصل وإجراء اتصال بصري وقراءة الإشارات والحركات غير اللفظية والتعامل مع الناس والمواقف الاجتماعية وقبول مستويات عالية من التنبيه الحسي والمرونة إزاء الظروف المتغيرة ورغبات الآخرين واهتماماتهم فكلاهما له اهتمامات مختلفة وغالباً ما يغفلان عن اهتمامات الآخرين.

كثيـراً ما يطرح هذا السؤال (ما الذي عليَ أن أقوم به لتغيير سلوك طفلي؟) هل من الممكن أن نغير طريقة السؤال(ما الذي ينبغي لي عمله لخلق علاقة مع طفلي؟) إذا غيرنا طريقة السؤال تغير كل شي أمامنا، عليك أن تبدأ بالتركيز على القيام بأفضل ما يمكنك – أنظر للعالم من خلال عيني ولدك.

أنا لا أطلب منـك أن تكون محللاً نفسـياً، أنا أتحدث عن التخيـل في كل تفاعل تجربــه مع ولدك كيف يراه ويشعر به، عندما تقوم بإيقاف ولدك عن سلوكياته النمطية، كيف سيشعر هو أو هي، وعندما تأخذ ولدك إلى منتزه صاخب، وتراه يغطي أذنيه، ماذا تعتقد؟ الموقف بالنسبة إليه، وعندما تراه مستغرقا في تمزيق ورق إلى قطع صغيرة. مالذي تعتقده في هذه التجربة بالنسبة له؟… نريد التركيز فيما يقوم به أولادنا كيف أبني رباطاً وعلاقة معهم، فإذا ركزت على توقف السلوك فكأنك تعقد صفقة مع ولدك، كأنك تقول له (لابد أن تمتنع عن الأشياء المحببة إليك وتفعل الأشياء المكروهة لديك…….).

لقد حان الوقت لكي تصبح تلميذاً في عالم ولدك. فكر في أن يقودك ولدك إلى عالمه ادخل معه في عالمه ألعب معه كما يحب أن يلعب، هدفنا أن ندخل عالمه، والطفل أو الشاب المصاب باضطراب طيف التوحد هو الذي سيقودنـا إلى عالمـه ما دام لم يسمع كلمـات الأمر والنهي المستمر (ندخل إلى عالمه ثم نريه نحن طريق الخروج).

راقب باحثـون في جامعـة (مزمونت الأمريكيـة) عيـون الأشخاص التوحديين وجـدوا أنهم يراقبون حركة فم الاشخاص المتعاملين معهم وليس عيونهم (لذلك كانت الملاحظة على شاب مصاب باضطراب طيف التوحد عمره 29 عام أنه يثبت نظره بعيداً جداً عن المتكلم مما دعاني إلى الحيرة وقتها، وكان كل همي هو أن أقرب نظرة إلى المتعاملين معه، فهويصـرف النظـر بعيـداً كلما كانت التعليمات تمثل تحدياً له، وإذا اقتربنا إلى حديث يمس مشاعره يبدو نفس الانصراف البصري في البداية ولكن إذا استمرينا في الحديث عن المشاعر بعاطفة صادقة جياشة يقترب بصره من المتحدث)، فالحديث عن المواضيع العاطفية الشعورية تحفز مواضع الذاكرة في الدماغ والأشخاص المصابين باضطراب طيف التوحد يبحثون عن المعلومة بعيداً عن التركيز بالبصر على المتحدث، فهم يفهمون المعلومة من خلال التركيز على انفعالات وجه المربي ونبرة صوته فكلما كانت انفعالات وجه المربي بشوشة وتوحي بالطمأنينة والسعادة كان شعور الشخص المصاب باضطراب طيف التوحد أفضل. وهذا دليل واضح على قدرتهم على فهم تعبيرات وجه المتحدث وفهمهم لدرجات الصوت، فهم يشعرون بالطمأنينة من صوت وبالخوف من صوت آخر، وهنا أيضاً يظهر لدينا عدم فهم المصابين باضطراب طيف التوحد للمعنى الإجتماعي من نظرة العين، فهم لا يفهمون معنى النظرة، لأنهم استبدلوا طريقة فهمهم بطريقة أخرى وهي انفعالات المربين ونبرات أصواتهم، وربما حركاتهم الجسمية، وهذه الملاحظة قد غيرت في مفهوم التدخل لمصاب اضطراب طيف التوحد من حيث أسلوب التحاور معهم بتناول مواضيع ومفردات تمس مشاعرهم. وليس التركيز على بعد البصر عن المحاور أو المربي، فالبصر يتبع الروح، والروح معلقة بالعاطفة المحببة إليها.

إذا اقتربت من شخص مصاب باضطراب طيف التوحد … تجد أن أصعب ما يواجهه أمرين:

صعوبة المعالجة الحسية: صعوبة في معالجة المدخلات الحسية واستيعابها، وهذا يعني أنه يرى الأشياء ويسمعها ويتذوقها ويشعر بها بشكل مختلف عني وعنك … تجد أحدهم يخلع ملابسه ويبقى عارياً وكان الملابس ألواح زجاجية فوق جسده والجميع ينظرون على أن هذا سلوك غير سوي ويحب أن يعاقب ولم يسأل أحد ما سبب ذلك.

صعوبة فهم الأنمـاط الاجتماعيـة: أي أن الأمـور الحياتيـة اليوميــة صعب عليهـم فهمها في كثير من الأوقات خاصة في الأماكن الجديدة، ولفهم الأماكن فإنه يربط كل مكان بعلامات ثابتة لا تتغير مثل عيادة الطبيب، وطبيب الأسنان، وجلسة العلاج الطبيعي، والنطق، والمهارات، فيظهــرون فيهـا بكـاءاً أو صــراخاً أو تشتتاً هربــاً من الموقف وهـذا ما يسـمى في المـخ (بالترابط المركــزي) أي أن المخ ربط هذه الأماكن بعلامـات ثابتــة أنها تؤذيـه،..ومن العجيـب والمذهـل أننـا نجـد هــؤلاء الأشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحــد يهربـون من هذين الأمرين (صعوبة المعالجة الحسية – وعدم فهم نمط الآخرين) بالهروب إلى سلوك آخر وهو (السلوكيات النمطية).

كيـف تحقق السلوكيــات النمطيــة تلك الراحـة بالنســبة للشخص المصاب بطيف التوحـد؟! لأنها تتيــح له التركيز على أمر واحد بحيث يمكنه أن يضبط التدفق الحسي الذي يشعر به في كل لحظة من كل يوم، ومن المثير أيضاً أن يكون هذا السبب نفسه وراء سعي بعضهم إلى الشرود والتأمل، فمن خلال تكـرر السـلوك مـرة تلو مـرة يستطيـع ضبط عالمـه ويوجد لنفسـه جزيرة يقف عليها وسط هذه الزحامات … أليس هذا مذهلاً ؟؟!!!